ابو القاسم عبد الكريم القشيري
438
الرسالة القشيرية
باب المعرفة باللّه قال اللّه تعالى : « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » . « 1 » جاء في التفسير : وما عرفوا اللّه حق معرفته . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه العدل ، قال : حدثنا محمد بن القاسم العتكي ، قال : حدثني محمد بن أشرس ، قال : حدثنا سليمان بن عيسى الشجري عن عباد بن كثير ، عن حنظلة بن أبي سفيان ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة رضى اللّه عنها ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن دعامة البيت أساسه ، ودعامة الدين المعرفة باللّه تعالى ، واليقين والعقل القامع فقلت : بأبى أنت وأمي ما العقل القامع ؟ قال الكف عن معاصي اللّه ، والحرص على طاعة اللّه » . قال الأستاذ : المعرفة على لسان العلماء هو : العلم ؛ فكل علم معرفة ؛ وكل معرفة علم ؛ وكل عالم باللّه عارف ؛ وكل عارف عالم ، وعند هؤلاء القوم المعرفة : صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته ؛ ثم صدق اللّه تعالى في معاملاته ؛ ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة وآفاته ؛ ثم طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكافه فحظى من اللّه تعالى بجميل إقباله وصدق اللّه في جميع أحواله ؛ وانقطع عنه هواجس نفسه ؛ ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره ؛ فإذا صار من الخلق أجنبيا ومن آفات نفسه بريا ؛ ومن المساكنات والملاحظات نقيا ؛ ودام في السر مع اللّه تعالى مناجاته ، وحق في كل لحظة إليه رجوعه وصار محدثا « 2 » من قبل الحق سبحانه بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره يسمى عند ذلك « عارفا » وتسمى حالته « معرفة » . وبالجملة فبمقدار أجنبيته عن نفسه تحصل معرفته بربه . وقد تكلم المشايخ في المعرفة ، فكل نطق بما وقع له ؛ وأشار إلى ما وجده في وقته .
--> ( 1 ) آية 91 من سورة الأنعام . ( 2 ) أي ملهما .